الاتحاد الأوروبي يواجه خطر التفكك

يواجه الاتحاد الأوروبي عددا من التحديات السياسية والاقتصادية الكبرى، منها أزمة منطقة اليورو وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى جائحة “كورونا”، والحرب الروسية – الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، والتي أصابت أواصر التماسك والتضامن التي ينبني عليها الاتحاد.

ويرى عدد من المحللين أن الاتحاد يمر بأصعب فترة في وجوده بسبب شدة وتواتر هذه الأزمات. وتحاول الدراسة للباحثة في العلوم السياسية تخصص علاقات دولية د.نورهان طوسون، تحليل هذه التحديات من خلال نظريات التكامل، والتي تحتوي بعضها على أفكار تتعلق بالتفكك، والذي تصاعد الحديث عنه مؤخرا في الدراسات الأوروبية إلى الحد الذي جعل العديد من الباحثين ينادون بضرورة بلورة نظريات للتفكك وليس الاعتماد فقط على نظريات التكامل، لتفسير التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، حيث تثير الأزمات التي يشهدها الاتحاد الأوروبي مؤخرا تساؤلا كبيرا حول عملية التكامل الأوروبي وحول مدى إمكانية حدوث تفكك لهذا الكيان.

وتؤكد طوسون أن التفكك لا يعني بالضرورة الانهيار التام الذي يعتبر أقصى جانب له، ولكنّ هناك عددا من المؤشرات التي تم تناولها منها الخروج الجزئي، الخروج الكلي، عدم قدرة المؤسسات فوق القومية على تنفيذ الآليات والقرارات المناسبة في مواجهة الأزمات، عدم وضع آليات للخروج، تراجع الولاء الوطني وفقدان الثقة من الحكومات والشعوب، سيطرة دولة واحدة أو عدة دول على صنع القرار في المؤسسات فوق الوطنية، وغير ذلك.

وتقول “وبالتطبيق على الأزمات السابقة للاتحاد، فإنه لم يتم التعافي من الآثار السلبية المترتبة عليها بسبب عدم وجود آليات فعالة للقيام بذلك. وهو ما ظهر بوضوح في التعامل مع أزمة كوفيد – 19 التي أظهرت بشكل واضح هشاشة العديد من مؤسسات الاتحاد بسبب تراكم آثار الأزمات السابقة التي لم يتم التعافي منها مثل أزمة اليورو. وعلى الرغم من أن العديد من الدول هددت بمغادرة الاتحاد، على غرار بريطانيا، إلا أنها تراجعت أو أجلت هذه الخطوة خوفا من الخسائر التي قد تنتج عن هذه المغادرة في ظل ما تعانيه هذه الدول من أزمات”.

وتلفت طوسون إلى مؤشرات التفكك التي تنذر بحدوث عملية التفكك، مثل عدم وجود آليات فعالة تحافظ على توازن النظام الداخلي للوحدات، أيضا قد يكون هناك فشل في المرونة، أو صلابة مفرطة في النظام، أيضا يمكن أن يؤدي التنوع غير المتناسب داخل النظام إلى عدم الاستقرار، وغالبا ما يكون هناك تراكم للاختلالات الوظيفية مع تقدم العمر. وهناك عدد من الأسباب الخارجية التي تؤثر على النظام وتكون خارجة عن إرادته، مثل تغيير الظروف البيئية خارج الحدود التي يتكيف معها، أو حدوث صدمات مفاجئة أو مواجهة عدد من التحديات الصعبة. وقد تكون هناك منافسة من نظام أكثر هيمنة أو نظام ذي إمكانات جديدة، ومن ناحية أخرى قد تنشأ ظروف تخلق إمكانات جديدة لا يتكيف معها النظام بشكل جيد.

وترى أن التماسك الظاهري للاتحاد لا يعني أن عملية التكامل تسير على ما يرام، خاصة مع توافر العديد من مؤشرات التفكك، والذي لا يقصد به هنا الانهيار التام. ومما لا شك فيه أنه حدث تراجع كبير في عملية التكامل الأوروبي مقارنة بالوضع السابق له، بالإضافة إلى ظهور العديد من مؤشرات التفكك التي باتت تهدد حاضر ومستقبل الاتحاد وتتنافى مع أهدافه وماضيه. ونتيجة لذلك هناك حاجة إلى مراجعة نظريات التكامل لتتماشى مع التطورات التي طرأت على الاتحاد الأوروبي، كما أن هناك حاجة ملحة إلى تطوير نظريات للتفكك والبناء على ما وضعه ويبر وفولارد من أجل تحليل الأزمات التي يمر بها الاتحاد الأوروبي بشكل أدق وأعمق.

وتشير طوسون إلى أن أزمة أوكرانيا، التي بدأت عام 2022، جاءت لتضيف إلى التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، حيث تعتمد الدول الأوروبية بشكل كبير على إمدادات الطاقة من روسيا. ورغم ذلك أظهرت الدول الأوروبية توافقا كبيرا على إدانة الهجوم الروسي، كما فرضت عقوبات اقتصادية كثيرة على روسيا. وتمثلت أكبر تأثيرات الحرب الروسية في أوكرانيا في قرار الكثير من دول الاتحاد رفع ميزانية الإنفاق العسكري، وهذا ما حدث في ألمانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وغيرها من الدول الأعضاء. أظهرت هذه الأزمة تكاتف دول الاتحاد عسكريا، وهو أمر جديد على الاتحاد الذي ينصب تركيزه أكثر على الجوانب الاقتصادية والسياسية. أظهرت الأزمة من جانب، العمل المشترك والتحرك الفعلي للاستجابة لتأثيرات الحرب الأوكرانية، حيث اتخذ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه عددا من السياسات المنسقة طويلة الأمد وغير المسبوقة مثل قيام الاتحاد الأوروبي بتمويل صفقات تسليم أسلحة فتاكة إلى دولة ثالثة لأول مرة في تاريخه، كما فتح الباب أمام استقبال اللاجئين الأوكرانيين.

وتعكس الاستجابة السريعة من جانب الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية قيامه بمراجعات وإصلاحات داخلية بعد الذي حدث في أزمة كوفيد – 19. من جانب آخر، تباين موقف الدول الأعضاء حول أزمة الطاقة وطرق علاجها في ظل غياب إستراتيجية اقتصادية داخلية موحدة لدعم الأضرار الاقتصادية التي طالت جميع الدول الأعضاء.

ويؤكد ذلك أن الأزمة الأوكرانية دعمت تماسك الاتحاد من جانب وأظهرت هشاشته من جانب آخر، حيث إنها أظهرت الموقف الواحد لإدانة جميع الدول للهجوم الروسي وضرورة فرض عقوبات على روسيا، والتي تباينت حدتها من دولة إلى أخرى، وسعي الدول للبحث عن بدائل لحل أزمة الطاقة، من ناحية أخرى تضررت الاقتصاديات الأوروبية بشكل كبير من جراء هذه الأزمة خاصة أن آثار أزمة كورونا لا تزال باقية ولم يتم علاجها بالكامل.

وتضع طوسون عددا من السيناريوهات المحتملة لمستقبل الاتحاد الأوروبي في ظل الأزمات التي يواجهها، يتمثل السيناريو الأول في أن تعمل الدول الأعضاء على وضع إستراتيجيات قصيرة الأمد وطويلة الأمد تضع في اعتبارها الاختلافات الاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب، حتى يتم التخفيف من الأضرار الاقتصادية للأزمات المتلاحقة للاتحاد، مما سيعزز التعاون والتماسك ويدعم مسيرة التكامل.

ويتمثل السيناريو الثاني في توثيق العلاقات بين ألمانيا وفرنسا، باعتبارهما العضوين الأكثر قوة في الاتحاد، لأن ذلك من شأنه تقوية الاتحاد سياسيا واقتصاديا واتخاذ قرارات موحدة.

يرى السيناريو الثالث أن الاتحاد يمكن أن يستغل الأزمة الأوكرانية لصالحه عن طريق تبني الدول الأعضاء لنفس السياسات الداعمة لأوكرانيا والمعادية لروسيا والعمل نحو خلق جيش أوروبي يواجه الخطر الروسي للحفاظ على أمن الدول الأوروبية، هذه الخطوة من شأنها نقل التكامل إلى مستوى أعلى.

أما في ما يتعلق بسيناريوهات التفكك، فيتمثل السيناريو الأول في أن تنشغل كل دولة بمصالحها الداخلية وتتبع إستراتيجية “أنا أولا” مما سيزيد من ضعف وهشاشة الاتحاد.

ويتمثل السيناريو الثاني من هذه السيناريوهات في زيادة حدة الخلافات بين ألمانيا وفرنسا مما سيؤدي إلى ضعف الاتحاد سياسيا واقتصاديا وعدم تبني قرارات فعّالة تخدم الجميع.

أما السيناريو الثالث فيرى أنه في حالة خروج دول أعضاء أخرى على غرار بريطانيا، فإن ذلك قد ينذر باحتمالية تفكك الاتحاد الأوروبي.

وتخلص طوسون إلى أن الاتحاد إذا استمر في تبني نفس السياسات واستخدام نفس الآليات التي يتبناها في مختلف الأزمات والتي لم تؤد إلى علاجها، فسوف يبقى متأرجحا بين احتمالية التكامل واحتمالية التفكك. لذلك إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يستكمل مسيرته الاندماجية في المستقبل، فسوف يكون عليه تغيير منهجياته وسياساته والآليات التي يستخدمها من أجل مواكبة التطورات والأزمات الكثيرة التي تواجه أوروبا، كما يجب أن يدعم فكرة الولاء بين مواطني دول الاتحاد ويتم الاهتمام بالرأي العام الأوروبي ووضعه في الاعتبار عند صنع القرار حتى يتم الحفاظ على التكامل الأوروبي واستكمال نجاح تجربة الوحدة الأوروبية التي اعتبرت لعقود طويلة نموذجا يُحتذى بالنسبة للعديد من الدول والكيانات السياسية والاقتصادية. كما يجب أن يضع في اعتباره فكرة بناء جيش أوروبي موحد لحماية الأمن الأوروبي الذي بات مهددا خاصة بعد الأزمة الأوكرانية والهجوم الروسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى