في زمن البلوكاج السياسي لسنة 2016.. كيف ضيع بنكيران فرصة استكمال ولايته الثانية؟

جمال الوردي

تتعدد القراءات هذه الأيام حول فشل عبد الإله بنكيران في تشكيل حكومته الثانية بعد تصدر حزب “العدالة والتنمية” نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016 وتعيينه من طرف جلالة الملك، في احترام تام للدستور.

البعض حمّل المسؤولية لخصومه السياسيين، فيما ركز آخرون على شخصيات بعينها مثل عزيز أخنوش أو المدونة ميساء سلامة، معتبرينها رموزاً لفشل الرجل، وهو نفس الطرح الذي روّجه بنكيران نفسه في أحاديثه داخل الحزب، بأسلوب أقرب لحكايات الجدات منه إلى تحليل سياسي رصين.

غير أن التمحيص في المشهد يكشف أن الأمر أعمق من نظرية مؤامرة. فكيف لمدونة ذات مستوى تعليمي وسياسي متواضع أن تُسقط زعيماً سياسياً في حجم بنكيران؟ خصوصاً وأن هذه المهمة فشل فيها حتى إلياس العماري، الذي كان يقود حزباً يملك شبكة واسعة من الأعيان وإمكانيات مالية كبيرة.

الحقيقة أن ما وقع لم يكن انقلاباً على الديمقراطية ولا مؤامرة سياسية، بل نتيجة طبيعية لمسار سياسي لم يكن على مستوى المرحلة. بنكيران تعامل مع موقعه بروح الزعيم الشعبوي أكثر من رجل الدولة، فاوض الأحزاب بمنطق التعالي، بلا برنامج واضح، وفشل في إقناع حتى حلفائه الأقربين.

البلوكاج السياسي آنذاك كان ثمرة مقاربة مرتبكة اختارها بنفسه، في لحظة دقيقة كانت تحتاج لمرونة عالية وقدرة على تدبير التحالفات بذكاء وبراغماتية، دون التفريط في المبادئ الكبرى. لكن الرجل ظل متردداً بين شخصيته الحزبية ومسؤولياته كرجل دولة.

حتى داخل حزبه، لم تُسقطه المؤامرات بقدر ما أسقطه رفضه لمقترحات منطقية قبلها خلفه سعد الدين العثماني بسهولة. تعامل مع الاستحقاق الدستوري كأنه مسرحية، مستغلاً اللحظة لتمرير النكات والقصص، متناسياً أن المواطن لم يعد يكتفي بالشعارات بل يبحث عن نتائج ملموسة.

وعندما أعفي من مهامه سنة 2017، اكتشف أن لا أحد تضامن معه، وأن حزبه نفسه أزاحه من الأمانة العامة لصالح العثماني. حينها فقط أدرك أنه فشل لأنه تمسّك بدور الضحية بدل تغليب المصلحة العامة، واعتمد خطاب المظلومية عوض مواجهة التحديات برؤية واقعية.

وهكذا، فإن بنكيران الذي دخل الحكومة سنة 2011 من الباب الكبير، اختار أن يخرج منها من الباب الضيق، مهدراً فرصة تصحيح أخطاء ولايته الأولى، ومفضلاً المناورة على الاعتراف بحدود الممكن السياسي.

فاللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى